فخر الدين الرازي

198

تفسير الرازي

تقول أنا لك محب غير مبغض وولي غير عدو ، وأما على القول الثاني : فقوله : * ( عسير ) * يفيد أصل العسر الشامل للمؤمنين والكافرين وقوله : * ( غير يسير ) * يفيد الزيادة التي يختص بها الكافر لأن العسر قد يكون عسراً ، قليلاً يسيراً ، وقد يكون عسراً كثيراً فأثبت أصل العسر للكل وأثبت العسر بصفة الكثرة والقوة للكافرين . المسألة الثالثة : قال ابن عباس : لما قال إنه غير يسير على الكافرين ، كان يسيراً على المؤمنين فبعض من قال بدليل الخطاب قال لولا أن دليل الخطاب حجة وإلا لما فهم ابن عباس من كونه غير يسير على الكافر كونه يسيراً على المؤمن . قوله تعالى * ( ذَرْنِى وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً ) * . أجمعوا على أن المراد ههنا الوليد بن المغيرة ، وفي نصب قوله وحيداً وجوه الأول : أنه نصب على الحال ، ثم يحتمل أن يكون حالاً من الخالق وأن يكون حالاً من المخلوق ، وكونه حالاً من الخالق على وجهين الأول : ذرني وحدي معه فإني كاف في الانتقام منه والثاني : خلقته وحدي لم يشركني في خلقه أحد ، وأما كونه حالاً من المخلوق ، فعلى معنى أني خلقته حال ما كان وحيداً فريداً لا مال له ، ولا ولد كقوله : * ( ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة ) * ( الأنعام : 94 ) ، القول الثاني : أنه نصب على الذم ، وذلك لأن الآية نزلت في الوليد وكان يلقب بالوحيد ، وكان يقول أنا الوحيد بن الوحيد ، ليس لي في العرب نظير ، ولا لأبي نظير . فالمراد * ( ذرني ومن خلقت ) * أعني وحيداً . وطعن كثير من المتأخرين في هذا الوجه ، وقالوا : لا يجوز أن يصدقه الله في دعواه أنه وحيد لا نظير له ، وهذا السؤال ذكره الواحدي وصاحب الكشاف ، وهو ضعيف من وجوه الأول : أنا لما جعلنا الوحيد اسم علم فقد زال السؤال لأن اسم العلم لا يفيد في المسمى صفة بل هو قائم مقام الإشارة الثاني : لم لا يجوز أن يحمل على كونه وحيداً في ظنه واعتقاده ؟ ونظيره قوله تعالى : * ( ذق إنك أنت العزيز الكريم ) * ( الدخان : 49 ) الثالث : أن لفظ الوحيد ليس فيه أنه وحيد في العلو والشرف ، بل هو كان يدعى لنفسه أنه وحيد في هذه الأمور . فيمكن أن يقال : أنت وحيد لكن في الكفر والخبث والدناءة القول الثالث : أن وحيداً مفعول ثان لخلق ، قال أبو سعيد الضرير : الوحيد الذي لا أب له ، وهو إشارة إلى الطعن في نسبه كما في قوله : * ( عتل بعد ذلك زنيم ) * ( القلم : 13 ) . قوله تعالى * ( وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَّمْدُوداً ) * . في تفسير المال الممدود وجوه الأول : المال الذي يكون له مدد يأتي من الجزء بعد الجزء على الدوام ، فلذلك فسره عمر بن الخطاب بغلة شهر شهر وثانيها : أنه المال الذي يمد بالزيادة ، كالضرع والزرع وأنواع التجارات وثالثها : أنه المال الذي امتد مكانه ، قال ابن عباس : كان ماله ممدوداً ما بين مكة إلى الطائف ( من ) الإبل والخيل والغنم